فصل: فصل: اعلم أن الله تعالى: وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


فصل‏:‏ اعلم أن الله تعالى‏:‏ وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه

وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه‏.‏

فالأول كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تلك آيات الكتاب الحكيم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 2‏]‏‏.‏

والثاني كقوله‏:‏ ‏{‏الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 23‏]‏‏.‏

والثالث كقوله‏:‏ ‏{‏هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏7‏]‏‏.‏

فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو‏:‏ الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، فألفاظ القرآن كله في أكمل البيان، والفصاحة، والبلاغة، ومعانيه أكمل المعاني، وأجلها، وأنفعها للخلق حيث تتضمن كمال الصدق في الأخبار وكمال الرشد والعدل في الأحكام كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 115‏]‏‏.‏

والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو تشابه القرآن في الكمال والإتقان، والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضًا في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضًا في الأخبار كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏‏.‏

والإحكام الذي وصف به بعض القرآن هو‏:‏ الوضوح، والظهور بحيث يكون معناه واضحًا بينًا لا يشتبه على أحد وهذا كثير في الأخبار والأحكام‏.‏

مثاله في الأخبار قوله تعالى‏:‏ ‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏‏.‏ فكل أحد يعرف شهر رمضان وكل أحد يعرف القرآن‏.‏

ومثاله في الأحكام قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏‏.‏ فكل أحد يعرف والديه وكل أحد يعرف الإحسان‏.‏

وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو‏:‏ الاشتباه أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم‏.‏

موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف

وكيفية الجمع بينها

موقفنا من اختلاف هذه الأوصاف وكيف نجمع بينها أن نقول‏:‏

إن وصف القرآن جميعه بالإحكام، ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان والجمع بينهما‏:‏ أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضًا في الكمال، والصدق فلا يتناقض في أحكامه، ولا يتكاذب في أخباره‏.‏

وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلًا، لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى، وقد انقسم الناس في ذلك إلى قسمين‏:‏

فالراسخون في العلم يقولون‏:‏ آمنا به كل من عند ربنا، وإذا كان من عنده فلن يكون فيه اشتباه يستلزم ضلالًا، أو تناقضًا، ويردون المتشابه إلى المحكم فصار مآل المتشابه إلى الإحكام‏.‏

وأما أهل الضلال والزيغ فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثارًا للشك والتشكيك فضلوا، وأضلوا وتوهموا بهذا المتشابه مالا يليق بالله عز وجل ولا بكتابه ولا برسوله‏.‏

مثال الأول ‏(‏1‏)‏‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 13‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏9‏]‏‏.‏ ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصفة الجمع، فاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة وقال ‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة ، وترك المحكم الدال على أن الله واحد‏.‏

وأما الراسخون في العلم‏:‏ فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 163‏]‏‏.‏ ويقولون للنصراني‏:‏ إن الدعوى التي ادعيت بما وقع لك من الاشتباه قد كفرك الله بها وكذبك فيها فاستمع إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 73‏]‏‏.‏ أي كفروا بقولهم ‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة‏.‏

ومثال الثاني‏:‏ قوله تعالى‏:‏ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏ ففي الآيتين موهم تعارض فيتبعه من في قلبه زيغ ويظن بينهما تناقضًا وهو النفي في الأولى ، والإثبات في الثانية‏.‏ فيقول‏:‏ في القرآن تناقض‏.‏

وأما الراسخون في العلم فيقولون‏:‏ لا تناقض في الآيتين فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره‏.‏ والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة وهذه تكون من الله تعالى‏:‏ ومن غيره فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين‏.‏

ومثال الثالث‏(‏4‏)‏‏:‏قوله تعالى‏:‏ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏)‏ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين‏(‏‏(‏5‏)‏‏.‏ ففي الآية ما يوهم وقوع الشك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما أنزل إليه فيتبعه من في قلبه زيغ فيدعي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقع منه ذلك فيطعن في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

وأما الراسخون في العلم فيقولون‏:‏ إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقع منه شك ولا امتراء فيما أنزل إليه، كيف وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى‏:‏ ‏)‏ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ‏(‏ ‏(‏6‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏)‏فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون‏(‏‏(‏7‏)‏

ويقولون‏:‏ إن مثل هذا التعبير ‏)‏ فإن كنت في شك ‏(‏ لا يلزم منه وقوع الشرط بل ولا إمكانه كقوله تعالى‏:‏ ‏)‏ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ‏(‏ ‏(‏9‏)‏‏.‏ فإن وجود الولد لله عز وجل ممتنع غاية الامتناع كما قال تعالى‏:‏ ‏)‏ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا ‏(‏ ‏(‏10‏)‏‏.‏ فكذلك الشك والامتراء من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أنزل إليه ممتنع غاية الامتناع ولكن جاءت العبارة بهذه الصيغة الشرطية لتأكيد امتناع الشك والامتراء من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أنزل إليه من الله عز وجل‏.‏

فإن قلت‏:‏ ما الحكمة من كون بعض القرآن متشابهًا ‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن الحكمة من ذلك ابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق في إيمانه الراسخ في عمله الذي يؤمن بالله وكلماته، ويعلم أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض، ولا اختلاف، فيرد ما تشابه منه إلى ما كان محكمًا، ليصير كله محكمًا من الشاك الجاهل الزائغ الذي يتبع ما تشابه منه، ليضرب كتاب الله تعالى‏:‏ بعضه ببعض، فيضل ويضل، ويكون إمامًا في الضلال والشقاء فيفتن الناس في دينهم، ويوقعهم في الشك والحيرة، ويفتن بعضهم ببعض ‏)‏ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ‏.‏ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ‏(‏ ‏(‏1‏)‏‏.‏

تتمة

التشابه الواقع في القرآن نوعان‏:‏ حقيقي ونسبي‏:‏

فالحقيقي‏:‏ ما لا يعلمه إلا الله عز وجل مثل‏:‏ حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فإنا- ‏"‏ وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار‏"‏ - لا نعلم حقائقها وكنهها كما قال الله تعالى‏:‏ عن نفسه‏:‏ ‏)‏ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علمًا ‏(‏ ‏(‏1‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏)‏ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار‏(‏ ‏(‏2‏)‏‏.‏ وقال عما في اليوم الآخر‏:‏ ‏)‏ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون‏(‏ ‏(‏3‏)‏‏.‏ وفي الحديث القدسي الثابت في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله قال‏:‏ ‏"‏ أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر‏"‏‏.‏

فما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر عن نفسه أنه حي، عليم، قدير، سميع، بصير، ونحو ذلك، ونحن نعلم أن ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات ليس مماثلًا في الحقيقة لما للمخلوق منها، فحقيقتها لا يعلم معناها إلا الله‏.‏ كما نعلم أن في الجنة لحمًا، ولبنًا، وعسلًا، وماء، وخمرًا، ونحو ذلك، ولكن ليس حقيقة ذلك من جنس ما في الدنيا، وحينئذ لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى‏:‏‏.‏

والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد‏.‏

وهذا النوع الذي لا يعلمه إلا الله لا يسأل عنه لتعذر الوصول إليه‏.‏

وأما النسبي‏:‏ فهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، إما لنقص في علمهم أو تقصير في طلبهم، أو قصور في فهمهم، أو سوء في قصدهم‏.‏

وهذا النوع يسأل عن بيانه، لأنه يمكن الوصول إليه إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس كيف وقد قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 89‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 138‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ‏.‏ثم إن علينا بيانه‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 18‏:‏ 19‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 174‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏‏.‏

ولهذا النوع أمثلة كثيرة في المسائل العلمية الخبرية، والمسائل العملية الحكمية وغالب المسائل التي اختلف الناس فيها أو كلها من هذا النوع‏.‏

فمن أمثلة ذلك في المسائل العلمية الخبرية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس كمثله شيء‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏ حيث اشتبه على النفاة أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى‏:‏ ظنًا منهم أن إثباتها يستلزم مماثلة الله تعالى‏:‏ للمخلوقين فنفوا عن الله تعالى‏:‏ ما وصف به نفسه أو بعضه، وأعرضوا عن الأدلة السمعية، والعقلية الدالة على ثبوت صفات الكمال لله عز وجل، وغفلوا عن كون الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة‏.‏

ثم لو أمعنوا في النظر في هذا المنفي ‏{‏ليس كمثله شيء‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏ لتبين لهم أنه يدل على ثبوت الصفات لا على انتفائها،لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى لكن لكماله تعالى‏:‏ لا يماثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولولا ثبوت أصل الصفة لم يكن لنفي المثل فائدة‏.‏

ومن أمثلة ذلك في المسائل العملية الحكمية قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏صلوا كما رأيتموني أصلي‏)‏‏.‏ حيث اشتبه على بعض الناس ففهموا منه أنه شامل للكمية والكيفية وبنوا على ذلك أنه لا تجوز الزيادة في صلاة الليل على العدد الذي كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوم به، فلا يزاد في التراويح في رمضان على إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة، ولكن من تأمل الحديث وجده دالًا على الكيفية فقط، دون الكمية إلا أن تكون الكمية في ضمن الكيفية كعدد الصلاة الواحدة ويدل لذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على المنبر‏:‏ ما ترى في صلاة الليل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏مثنى مثنى فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى‏)‏‏.‏ وفي رواية أن السائل قال‏:‏كيف صلاة الليل‏؟‏ ولو كان عدد قيام الليل محصورًا لبينه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا السائل ولهذا كان الراجح أن يقتصر في قيام الليل على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وإن زاد على ذلك فلا بأس‏.‏وأمثلة ذلك كثيرة، تعلم من كتب الفقه المعنية بذكر الخلاف والترجيح بين الأقوال، والله المستعان‏.‏